أَكاديميّة القاسِمي للتّربية الخاصَّة
مَروة خالِد السّيوري
300572930
مُـقَدِّمَة
نَظَمَتْ العَرَبُ الشِّعْرَ في شَتّى مَواضيعِ حياتِهم بمختلف عواطفهم، فَتَجد شِعْراً في الحبِّ وَالغَزَلِ، وآخر في الحماسةِ والبُطولةِ،
وغيرَه يَصِفُ ما يحيط به من ديار وحيوان وأطلال وغيره ممّا يقع على بصره. وكان الهدف من هذا النّظم، حمل السّامِعِ على أن يشارك الشّاعر عواطفَه، من خلال وضع الشعر في قالب موسيقي هزّاز يُطرِبُ السّامع، والالتزام بلوازم في نهاية هذا القالب حتى تصون هذا التّأثير وتزيده. وقد وُضِع علم العروض حتّى يحافظ على هذه القوالب من التحريف والضياع وضبط القوالب الموسيقية وحصرها، وتصحيح أوزان الشّعر، ومعرفة صحيحها من مكسورها.
نَشْأَةُ عِلْمِ العَروض
لم يكن العرب في العصر الجاهليّ في حاجة إلى علمٍ يعلّمهم فن النّظم أو فنّ الشعر، ويرجع ذلك إلى فطرتهم بلغتهم وفنون الكلام، مما جعلهم يستغنون عن وضع القواعد في النّحو والصّرف والعَروض والبلاغة وغير ذلك من علوم اللغة.
ومعنى ذلك أنّ أول ما قاله الشعراء العرب لم يكن به أي خلل في وزن الشّعر ، فالشّعر الجاهليّ كلّه موزون ومقفّى، لأن مبدعيها من الشّعراء كانوا على درايةٍ فطريّة بأوزان الشّعر باختلافها، وظلّ كذلك حتّى انتشرت اللغة العربيّة في الأقطار الغير عربيّة بعد الإسلام، ممّا جعل كثير من الأمم الأجنبية الدّاخلة في الإسلام تستعمل العربيّة في شعائرها ومناسكها، ممّا أدخل اللّحن على الكلام، وبالتالي كان لابدّ من صون الشّعر العربيّ من التحريف والضّياع واختلاطه بالأوزان الغير عربيّة، وهذا ما قام الفراهيديّ في عمله، جَمْع أوزان الشّعر العربيّ في بحورٍ صيانةً لها.
العَروضُ والخليلُ بن أحمد الفَراهيديّ
يحدّثنا الياقوت «في معجم الأدباء» عن الخليل بن أحمدِ بأنّه أوّل من استخرج العروض وضبط اللّغة وحصر أشعارَ العرب، وأنّ معرفته بالإيقاع هي الّتي أحدثت له علمَ العَروض.
وروى ابن خلكان عن حمزة بن الحسن الأصفهانيّ نقلاً عن كتابه «التّنبيه على حدوث التّصحيف». قوله : « إنّ دولة الإسلام لم تُخرج أبدع للعلوم التي لم يكن لها عند العرب أصول من الخليل، وليس على ذلك برهان أوضح من علم العَروض الذي لا عن حكيم أخذه، ولا عن مثال تقدّمه احتذاه، وإنّما اخترعه من ممرّ له بالصفّارين، من وقع مطرقةٍ على طست.»
ومن ذلك يُرى أنّ الخليل هو أوّل مبتكرٌ لعلم العروض وحَصْرِ كلَّ أشعار العرب في بحوره. ولم تقف عقليّته المبتكرة عند هذا الحدّ، وإنّما تجاوزته إلى ابتكار علوماً أخرى، فهو أوّل مبتكر لفكرة المعاجم العربيّة بوضعه «معجم العين» الذي يحصر لغة أمّة من الأمم قاطبة، وهو الذي وضع أساس علم النّحو باستخراج مسائله وتعليله، وإمداده سيبويه من علم النّحو بما صنّف به كتابه الذي هو زينة الإسلام كما يذكر القفطيّ، ثم هو الذي اخترع علم الموسيقى العربيّة وجمع فيه أصناف النّغم.
وبالتالي، فقد أخرج لنا علماً كاملاً متكاملاً في مصطلحاته وأقسامه، وبذلك، حصر التّراث الشّعريّ العربيّ حتّى زمانه في 15 بحراً أو وزناً، وزاد عليه تلميذه الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي (نسبة إلى قبيلة مجاشع) بحراً سمّاه الخبب – أو المتدارك؛ لأنّه تدارك به ما فات الخليل من بحور أو تفعيلات. وبهذا العمل الجليل الذي نهض به الخليل أصبح للشّعر العربي 16 بحراً أو وزناً ما زال متداولاً حتّى اليوم.

Published: Aug 20, 2015
Latest Revision: Aug 20, 2015
Ourboox Unique Identifier: OB-66568
Copyright © 2015